سميرة مختار الليثي
481
جهاد الشيعه في العصر العباسي الأول
--> وعلى خطر عظيم ، فكيف بالمسؤول عن رعاية الأمّة ، وباللّه الثّقة ، وإليه المفزع والرّغبة في التّوفيق والعصمة ، والتّسديد والهداية ، إلى ما فيه ثبوت الحجّة ، والفوز من اللّه بالرّضوان والرّحمة . وانظر الامّة لنفسه وأنصحهم للّه في دينه وعباده من خلفائه في أرضه من عمل بطاعة اللّه وكتابه وسنّة نبيّه صلّى اللّه عليه وآله في مدّة أيّامه وبعدها ، وأجهد رأيه ونظره فيمن يولّيه عهده ، ويختاره لإمامة المسلمين ورعايتهم بعده ، وينصّبه علما لهم ومفزعا في جمع ألفتهم ولمّ شعثهم وحقن دمائهم ، والأمن بإذن اللّه من فرقتهم ، وفساد ذات بينهم واختلافهم ، ورفع نزغ الشّيطان وكيده عنهم ، فإنّ اللّه عزّ وجلّ جعل العهد بعد الخلافة من تمام أمر الإسلام وكماله ، وعزّه وصلاح أهله ، وألهم خلفاءه من توكيده لمن يختارونه له من بعدهم ما عظمت به النّعمة وشملت فيه العافية ، ونقض اللّه بذلك مكر أهل الشّقاق والعداوة ، والسّعي في الفرقة والتّربّص للفتنة . ولم يزل أمير المؤمنين منذ أفضت إليه الخلافة ، فاختبر بشاعة مذاقها ، وثقل محملها ، وشدّة مؤونتها ، وما يجب على من تقلّدها من ارتباط طاعة اللّه ، ومراقبته فيما حمّله منها ، فأنصب بدنه ، وأسهر عينه ، وأطال فكره ، فيما فيه عزّ الدّين وقمع المشركين ، وصلاح الامّة ، ونشر العدل ، وإقامة الكتاب والسّنّة ، ومنعه ذلك من الخفض والدعة ومهنأ العيش ، علما بما اللّه سائله عنه ، ومحبّة أن يلقى اللّه مناصحا له في دينه وعباده ، ومختارا لولاية عهده ، ورعاية الأمّة من بعده ، أفضل من يقدر عليه في دينه وورعه وعلمه ، وأرجاهم للقيام في أمر اللّه وحقّه ، مناجيا اللّه بالإستخارة في ذلك ومسألته الهامّة ما فيه رضاه وطاعته في آناء ليله ونهاره ، معملا في طلبه والتماسه في أهل بيته ، من ولد عبد اللّه بن العبّاس وعليّ بن أبي طالب فكره ونظره ، مقتصرا ممّن علم حاله ومذهبه منهم على علمه ، وبالغا في المسألة عمّن خفي عليه أمره جهده وطاقته . حتّى استقصى أمورهم معرفة ، وابتلى أخبارهم مشاهدة ، واستبرأ أحوالهم معاينة ، وكشف ما عندهم مساءلة . فكانت خيرته بعد استخارته للّه ، وإجهاده نفسه في قضاء حقّه في عباده وبلاده ، في البيتين جميعا « عليّ بن موسى بن جعفر بن محمّد بن عليّ بن الحسين بن عليّ بن أبي طالب عليهم السّلام » لمّا رأى من فضله البارع ، وعلمه النّافع ، وورعه الظّاهر ، وزهده الخالص ، وتخلّيه من الدّنيا ، وتسلّمه من النّاس . وقد استبان له ما لم تزل الأخبار عليه متواطئة ، والألسن عليه متّفقة ، والكلمة فيه جامعة . ولمّا لم يزل يعرفه به من الفضل يافعا وناشئا ، وحدثا ومكتهلا ، فعقد له بالعهد والخلافة من بعده ، -